دراسة تحليلية لتحويل الأصول الوطنية إلى قوة ناعمة وسمة مستدامة
إطار داعم لمشروع "السمة الوطنية"
إن سمعة الدول لا تتغير بالوتيرة نفسها التي يتغير بها الواقع، فقد تتبدل السياسات والفرص خلال فترة قصيرة، بينما تبقى الصورة الخارجية محكومة بما تراكم لسنوات في الإعلام والتقارير والمؤشرات التي فرضتها القوى الكبرى -إعلامية أو سياسية- ووجهتها إلى مفهوم تريد بناءه عن تلك الدولة.
ونحن نشهد عالمًا متسارعًا، محكوم بالعديد من القيود التي توجه الآراء وتقود الفكر إلى مناطق متضادة لا تناسب الكثير من الثقافات الخاصة بالدول، ومن لا يكون فاعلا سيكون متأثرًا ومحكوم عليه بالتبعية شاء أم أبى، ومن لا يبني لنفسه صورة أو سمعة هو يملك زمامها ويدير قرارها، ستُبنى له صورة متراكمة لا تتناسب مع واقعه ولا تعكس حقيقة ما هو عليه، وسيظل رهينًا لها لسنوات طويلة، وسيخسر بسببها أكثر مما يتوقع، على مختلف الأصعدة والقطاعات، سياسيًا واقتصاديًا وثقافيًا ودينيًا.
ومن هذه المسافة بين ما يتغير داخل الدولة في سورية، وما يُعرف عنها مما تراكم خلال السنوات السابقة (منذ خمسين عامًا) جاءت فكرة هذه الدراسة التحليلية للواقع الاتصالي والسمعة المتراكمة.
إن المرحلة الحالية والمقبلة في تقديري، لا تحتاج إلى حملة اتصالية مؤقتة بقدر حاجتها إلى قدرة مؤسسية على مستوى سيادي، تستطيع إدارة الحضور الخارجي للدولة بصورة مستمرة، تملك الدولة نفسها إدارتها والتحكم بها، وتعرف ما الذي تريد أن تعززه وتظهره؟ ولِمَن؟، وبأي شكل وطريقة؟، وكيف تُقرأ البيئة الخارجية؟، وكيف تُبنى العلاقات مع الإعلام والمؤسسات المؤثرة إقليميا ودوليا؟، ويتم قياس كل تلك الجهود بشكل مستمر ولحظي، بحيث تتطور الطرق والأساليب دوريا، للحصول على نتائج مؤثرة ومستدامة، فالأداة التي تؤثر اليوم ستكون غدا ضعيفة أو قد تغير جمهورها، ونحن نرى ونشاهد في كل فترة ظهور أدوات تواصل وشبكات لها تأثير مختلف على شريحة مختلفة بطرق وأساليب متنوعة.
من هذا كله، كانت هذه الدراسة مركزة على قراءة الوضع القائم والمؤشرات التي تؤثر في الصورة الذهنية للجمهورية العربية السورية، وسمعتها، ثم تنتقل إلى سؤال عملي وواقعي: ما القدرات التي تحتاج إليها الدولة حتى يصبح الاتصال الخارجي وإدارة السمعة عملًا مؤسسيًا مستدامًا؟ وكيف تتحول تلك الفرص إلى أصول استراتيجية للدولة؟ تساهم في بناء سمعتها وتعزيز حضورها، وتقلل من تحكم المؤسسات والدول الخارجية بالرأي العام الداخلي والسمعة الخارجية.
وتطرح الدراسة تصورًا لهذه القدرات، بدءًا من الحوكمة والمرجعية المعرفية للرسائل، مرورًا بالمتحدثين والخبراء، والرصد والتحليل والمحتوى والعلاقات الإعلامية الدولية، وصولًا إلى القياس والتعلم المستمر.
ويأتي برنامج "السمة الوطنية" الذي أعلنت وزارة الإعلام التحضير له في سياق مهم لهذا النقاش، ولا تقدم هذه الورقة مسارًا بديلًا عنه، بل إطارًا يمكن أن يدعم تطوير الجوانب المرتبطة بالاتصال الخارجي وإدارة السمعة، بحسب نطاق المشروع والهيكل الذي تقرره الجهات الوطنية المعنية.
نقدم في شركة JWC هذه الدراسة كمبادرة استشارية مستقلة، نستند فيها إلى خبراتنا العلمية والعملية في العلاقات العامة والاتصال الاستراتيجي وإدارة السمعة، وما عملنا عليه في السوق الدولي، والسوق السعودي -تحديدًا- مع جهات متنوعة من القطاعين الحكومي والخاص.
وقد أتاحت لنا هذه الخبرات المتراكمة العمل عن قرب مع احتياجات مختلفة في بناء الرسائل، وإدارة الحضور الإعلامي، وتطوير الاتصال المؤسسي والقيادي، وربط الاتصال بالأولويات الاستراتيجية للجهات والمؤسسات والدول.
كما وفرت لنا التجربة السعودية سياقًا عمليًا مهمًا مع التحولات الكبيرة التي حصلت فيها، لفهم كيف يمكن أن يتطور الاتصال من مجموعة أنشطة منفصلة إلى قدرة مؤسسية أكثر تنظيمًا وتأثيرًا، وكيف يمكن للقطاعين الحكومي والخاص أن يستخدما الاتصال بصورة أكثر ارتباطًا بالسمعة والأهداف الوطنية والاقتصادية، وأن يتشاركا في تحقيق الأهداف الاستراتيجية وتعزيز السمعة وتعظيم الأثر المحلي والدولي.
ولا أفترض أن هذه التجارب يمكن استنساخها كما هي في سورية، وإنما يتم الاستفادة منها باعتبارها خبرة عملية ومرجعًا إقليميًا يمكن قراءة بعض ممارساته وتكييف ما يتلاءم منها مع السياق السوري، وخصوصا أن ما شهدته المملكة العربية السعودية في سنواتها الأخيرة من نهضة وطنية كبرى، وتحولات اقتصادية رفيعة، وسمعة دولية متميزة، تتيح للكثير من الدول الاستفادة من تلك التجارب والخبرات للوصول إلى مصاف الدول الكبرى في التأثير، وبناء وتوجيه الرأي العام لمصالحها الخاصة، وتقليل التأثر بالخارج.
وإذا كان لهذه الدراسة أن تؤدي وظيفة واحدة، فأتمنى أن تكون نقطة بداية لنقاش عملي حول: كيف يمكن لسورية أن تنتقل من الدفاع عن مواقفها وتبرير السلوكيات التي يفرضها الإعلام الخارجي والرأي العام الدولي عليها، إلى أن تكون هي سيدة الموقف وهي التي ترسم الصورة وتسوّقها حسب ما تريد، وأن تكون مؤثرة وصانعة لا متأثرة، وأن يتم استغلال الأصول الوطنية وتوحيد الجهود الداخلية من مختلف القطاعات لبناء قدرة وطنية اتصالية أكثر تنظيمًا وقياسًا واستدامة.
جعفر الوردي
المؤسس والرئيس التنفيذي
شركة JWC للاستشارات الإدارية والتواصل الاستراتيجي